سيد قطب

1892

في ظلال القرآن

كل في زمانه حتى يأتي الرسول الأخير إلى الناس كافة - وأمة غير المسلمين من عبدة الطواغيت والأصنام في شتى الصور والأشكال على مدار القرون . . وعندما أراد اللّه أن يعرف المسلمين بأمتهم التي تجمعهم على مدار القرون ، عرفها لهم في صورة أتباع الرسل - كل في زمانه - وقال لهم في نهاية استعراض أجيال هذه الأمة : « إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ » . . ولم يقل للعرب : إن أمتكم هي الأمة العربية في جاهليتها وإسلامها سواء ! ولا قال لليهود : إن أمتكم هي بنو إسرائيل أو العبرانيون في جاهليتهم وإسلامهم سواء ! ولا قال لسلمان الفارسي : إن أمتك هي فارس ! ولا لصهيب الرومي : إن أمتك هي الرومان ! ولا لبلال الحبشي : إن أمتك هي الحبشة ! إنما قال للمسلمين من العرب والفرس والروم والحبش : إن أمتكم هي المسلمون الذين أسلموا حقا على أيام موسى وهارون ، وإبراهيم ، ولوط ، ونوح ، وداود وسليمان ، وأيوب ، وإسماعيل وإدريس وذي الكفل وذي النون ، وزكريا ويحيى ، ومريم . . كما جاء في سورة الأنبياء : ( آيات : 48 - 91 ) . هذه هي أمة « المسلمين » في تعريف اللّه سبحانه . . فمن شاء له طريقا غير طريق اللّه فليسلكه . ولكن ليقل : إنه ليس من المسلمين ! أما نحن الذين أسلمنا للّه ، فلا نعرف لنا أمة إلا الأمة التي عرفها لنا اللّه . واللّه يقص الحق وهو خير الفاصلين . . وحسبنا هذا القدر مع إلهامات قصة نوح في هذه القضية الأساسية في هذا الدين . ثم نقف الوقفة الأخيرة مع قصة نوح لنرى قيمة الحفنة المسلمة في ميزان اللّه سبحانه : إن حفنة من المسلمين من أتباع نوح عليه السلام ، تذكر بعض الروايات أنهم اثنا عشر ، هم كانوا حصيلة دعوة نوح في ألف سنة إلا خمسين عاما كما يقرر المصدر الوحيد المستيقن الصحيح في هذا الشأن . . إن هذه الحفنة - وهي ثمرة ذلك العمر الطويل والجهد الطويل - قد استحقت أن يغير اللّه لها المألوف من ظواهر هذا الكون ؛ وأن يجري لها ذلك الطوفان الذي يغمر كل شيء وكل حي في المعمور وقتها من الأرض ! وأن يجعل هذه الحفنة وحدها هي وارثة الأرض بعد ذلك ، وبذرة العمران فيها والاستخلاف من جديد . . . . وهذا أمر خطير . . إن طلائع البعث الإسلامي التي تواجه الجاهلية الشاملة في الأرض كلها ؛ والتي تعاني الغربة في هذه الجاهلية والوحشة ؛ كما تعاني الأذى والمطاردة والتعذيب والتنكيل . . إن هذه الطلائع ينبغي أن تقف طويلا أمام هذا الأمر الخطير ، وأمام دلالته التي تستحق التدبر والتفكير ! إن وجود البذرة المسلمة في الأرض شيء عظيم في ميزان اللّه تعالى . . شيء يستحق منه سبحانه أن يدمر الجاهلية وأرضها وعمرانها ومنشآتها وقواها ومدخراتها جميعا ؛ كما يستحق منه سبحانه أن يكلأ هذه البذرة ويرعاها حتى تسلم وتنجو وترث الأرض وتعمرها من جديد ! لقد كان نوح عليه السلام يصنع الفلك بأعين اللّه ووحيه ، كما قال تعالى : « وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ » . . وعندما لجأ نوح إلى ربه والقوم يطاردونه ويزجرونه ويفترون عليه كما قال اللّه تعالى في سورة القمر : « كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ . فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ » . .